بقي كلها

حين سأل النبي ﷺ عائشة رضي الله عنها عن الشاة المذبوحة:

” كم بقي منها”

 أجابت :ما بقي منها إلا كتفها.

 قال: “بقي كلها غير كتفها”

  الكتف هنا مثله مثل أشياء كثيرة تمرّ بنا في هذه الحياة، نراها بمعزل عن حقيقتها، ونحسبها بغير ميزانها.

وإنما يرجع ذلك أحياناً إلى العقل الذي يرى ما في الدنيا على ظاهرها، ويفسّرما فيها تبعا لذلك، بمعاييره التي يعرفها، التي  شكلها الحس الذي يعيش به في الواقع، فضاق أفقه لاعتياده وقصر عن تدبر ماوراء ذلك.

ولو أطال التفكر ووقف عند ما يمر به وقفة متأمل لرأى ذات الموقف بنظرة مغايرة، فقد تكون الخسارة التي ألمت به هي الفوز الحقيقي، والفقد الذي أنهكه هو الكسب بعينه، والتعثرات ما هي إلا سلالم للوصول إلى ما هو خير وأبقى.

فالإنسان الذي حال المرض بينه وبين ما يطمح إليه من أعمال الخير، ووجد نفسه فجأة بعيداً كل البعد عما يريد، تفصله حجب لا يقوى على اختراقها ليبلغ ما تمنى، فيركن تاركاً حلمه عاجزاً عن إتمامه وفي صدره من الأسى والحسرة لفوات الخير ما يثقله .

رؤية هذا الموقف من هذه الزاوية وحدها تمنح الحزن مبرراته ، لكن الأمر في حقيقته يتعدى هذا إلى ما هو أبعد من ظاهره .

فلو أعاد صاحبنا النظر إلى ذلك الموقف بعين غير تلك التي رآه بها، لوجد أن النية أبلغ، فهي التي تبلغ المرء ما لا يبلغه العمل وأن القضاء الذي حال بينه وبين سعيه لم يطمس شيئاً مما نوى، وفي الحديث : “ولكل امرئ ما نوى”

وكذلك من يخرج من موقف آثر فيه الصمت، فيأكل الندم قلبه على سكوته، ويتمنى لو عاد به الزمن لينتصر لنفسه ويسيّج حماه بوابل من الكلام. ولو أعاد النظر بعين فاحصة لوجد أن صمته نأى به عن خلافات ونزاعات ما كانت لتخمد لولا سكوته، فالكلمة التي كتمت في موضع كان النطق بها يسيراً، هي التي كتبت في صحف حسناته، وما يحسبه المرء فواتاً قد يكون هو الانتصار بعينه والمنجاة..

وغير هذا كثير مما يعرض لنا في هذه الحياة، كل ما ينقصنا أن نحول النظر إلى الجانب الباقي، ” كم بقي منها “.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Skip to content