عبء ما قبل البدء

 

في بعض الأيام، تشعر بالإرهاق قبل أن تشرع في أي شيء، وكأن مجرد التفكير في ما ينبغي فعله يستنزفك أكثر من الفعل نفسه.

تتثاقل لا لأن المهام عسيرة، بل لأنك استهلكت طاقتك في تصوّرها، واستباق مشقّتها، وتخيل عثراتها قبل أن تقع.

كثير من الأعمال لا تُرهقنا حين نؤديها، بل حين نُطيل التفكير في كيفيتها: نُفكّر في تفاصيلها، وفي الوقت الذي ستأخذه، وفي العقبات التي قد تصادفنا، فتغدو ثقيلة في الخيال، مع أنها يسيرة في الواقع.

وقد يُرهق الإنسان من التخطيط الذهني أكثر مما يُرهقه الإنجاز نفسه، لأن العقل حين يُشغل بالاحتمالات والمآلات والسيناريوهات، يستهلك طاقته قبل أن يخطو خطوة واحدة.

وهكذا… لا يكون التعب من العمل، بل من الدوران حوله، ومن شدّ الحبال الخفية بين الحماسة والتردد.

بينما الحقيقة أن كثيرًا من الأعمال، لو أُعطيت وقتها بهدوء، ومضينا فيها دون هذا العبء الذهني، لتمّت بسلاسة، وربما بسرور.

فالمشكلة في الغالب ليست في حجم العمل، بل في التردّد حوله، في أننا نُطيل الوقوف على العتبة، ونستهلك أنفسنا قبل دخول الباب.

ولهذا، فالخطوة الحقيقية ليست في الإنجاز فقط، بل في كسر طوق التردد، وتحرير العمل من أسره الذهني.

وما أكثر ما يُنجز حين نكفّ عن التفكير المفرط… ونبدأ.

اقرأ مقال العودة الهادئة

 

بقي كلها

حين سأل النبي ﷺ عائشة رضي الله عنها عن الشاة المذبوحة:

” كم بقي منها”

 أجابت :ما بقي منها إلا كتفها.

 قال: “بقي كلها غير كتفها”

  الكتف هنا مثله مثل أشياء كثيرة تمرّ بنا في هذه الحياة، نراها بمعزل عن حقيقتها، ونحسبها بغير ميزانها.

وإنما يرجع ذلك أحياناً إلى العقل الذي يرى ما في الدنيا على ظاهرها، ويفسّر ما فيها تبعا لذلك، بالمعايير التي شكلها الحس الذي يعيش به في الواقع، وضاق أفقه وقصر نظره عن تدبر ماوراء ذلك.

ولو أطال التفكر ووقف عند ما يمر به وقفة متأمل لرأى ذات الموقف بنظرة مغايرة، فقد تكون الخسارة التي ألمت به هي الفوز الحقيقي، والفقد الذي أنهكه هو الكسب بعينه، والتعثرات ما هي إلا سلالم للوصول إلى ما هو خير وأبقى.

فالإنسان الذي حال المرض بينه وبين ما يطمح إليه من أعمال الخير، ووجد نفسه فجأة بعيداً كل البعد عما يريد، تفصله حجب لا يقوى على اختراقها ليبلغ ما تمنى، فيركن تاركاً حلمه عاجزاً عن إتمامه وفي صدره من الأسى والحسرة لفوات الخير ما يثقله .

رؤية هذا الموقف من هذه الزاوية وحدها تمنح الحزن مبرراته ، لكن الأمر في حقيقته يتعدى هذا إلى ما هو أبعد من ظاهره .

فلو أعاد صاحبنا النظر إلى ذلك الموقف بعين غير تلك التي رآه بها، لوجد أن النية أبلغ، فهي التي تبلغ المرء ما لا يبلغه العمل وأن القضاء الذي حال بينه وبين سعيه لم يطمس شيئاً مما نوى، وفي الحديث : “ولكل امرئ ما نوى”

وكذلك من يخرج من موقف آثر فيه الصمت، فيأكل الندم قلبه على سكوته، ويتمنى لو عاد به الزمن لينتصر لنفسه ويسيّج حماه بوابل من الكلام. ولو أعاد النظر بعين فاحصة لوجد أن صمته نأى به عن خلافات ونزاعات ما كانت لتخمد لولا سكوته، فالكلمة التي كتمت في موضع كان النطق بها يسيراً، هي التي كتبت في صحف حسناته، وما يحسبه المرء فواتاً قد يكون هو الانتصار بعينه والمنجاة..

وغير هذا كثير مما يعرض لنا في هذه الحياة، كل ما ينقصنا أن نحول النظر إلى الجانب الباقي، ” كم بقي منها “.

 

 

أتعرف قيمتك؟

قيمة المرء مايحسن

تلفت هذه المقولة نظر الإنسان إلى نفسه، وتدعوه أن يبحث فيها عن مواضع تميزه ليخط مكانه بين الناس ويكون فاعلاً ذا قيمة له دوره وأثره في الحياة، فيسائل نفسه: ما الذي أُحسنه؟ وأين تكمن قيمتي؟ لكن عليه أن يطرح على نفسه سؤالاً أعمق: لماذا أُحسن؟ وما الغاية التي لأجلها أريد أن تكون لي قيمة؟

فالإنسان أحيانًا يفرط في التشبث بما يحسنه، فينحو إلى حب التفرد فيه، وينافس بهذا كل من يُحسن ما يحسنه. ولا ضير في التنافس إن كان باعثًا على التحسين والتجويد، لكن الخطر أن يدفعه ذلك إلى التشويه والإضرار بالآخر، حتى يتحول التنافس شيئًا فشيئًا إلى ما هو أسوأ، حين يجد الإنسان في نفسه غضاضة أن يبرع غيره فيما يجيده هو، ويرى نفسه أولى وأحق، فيجعل من استحقاقه الذي نسجه في عقله ذريعة لتشويه غيره والتقليل مما وصل إليه.

فهو لا يزال خائفًا من انتزاع مكانته، ساعيًا لحراسة ما وصل إليه، فيصبح هذا الذي يُحسنه من حيث أراده قيمة لذاته، شاغلًا له عن نفسه، يصرفه إلى تقصي أخبار المنافس وتحولاته وإنجازاته.

وهو على كل حال مهما بلغ سيجد من يفوقه ويمتاز عنه، وسيلقى في طريقه ما يكدره وينغص عليه، ثم يخرج من هذا كله بـ: فعلت ليُقال، وقد قيل.

أما من جعل ما يحسنه لله واستقى قيمته مما يرضيه، فقد تحرر من هذه المعارك كلها، لأنه يؤمن أن تلك الملكة أو المهارة أو العلم إنما هي أرزاق قسمها الله بحكمته بين الناس، فيحمله قلبه السليم وسلامة صدره على مد جذور الخير بينه وبين الناس، فيحب لأخيه ما يحب لنفسه، ويسعى بما مكّنه الله منه في النفع والخير.

وتلك هي القيمة الحقيقية التي لا تضاهيها منزلة من منازل الدنيا، فالقيمة ليست فيما نحسن، إنما في الغاية التي لأجلها نحسن.

المرء على دين خليله

الانسان شديد التأثر بمن يصاحب، وطول العشرة والمخالطة يولدان انجذابا في النفس للصاحب، فتتآلف الطبع ويقوى الميل من جهتيهما، فمن صاحب صالحا كان ولابد أن يأخذ شيئا من شذا صلاحه، ومن خالط طالحا شاكله دون أن يشعر.

الصاحب يأخذ بيد صاحبه إلى معالي أو إلى أسافل الأمور، وذلك لا يحدث بوعي إنما بطول المخالطة، فمن خلال المخالطة تتسرب الطباع دون شعور وبغير قصد
(فلينظر أحدكم من يخالل)

 

من هنا

حين تتمدد الآلام

كل ألم، وإن بدا أول الأمر جارفا لا يُحتمل، فإن الأيام تبدي لنا أن التعايش معه ممكن، بل وقد يألفه القلب حتى لا يعود يستنكره كما في البدايات.

فحين يُبتلى المرء بمصاب، يبلغ الألم النفسي ذروته في البداية، ثم يتقلص مع مرور الوقت، وربما يتلاشى.

وما يحدد مدى شدته واستمراره، ليس حجم المصيبة، إنما طريقة استقبالها.

إن اللحظة الأولى لاستقبال البلاء، هي الموضع الذي تُكسر فيه شوكة الألم، أو تقوى حدته، فمن أُعين فيها على الصبر، خف المصاب عليه، وكان ما بعده أهون.

ولهذا جاء في الحديث الشريف، قول النبي ﷺ:

“إنما الصبر عند الصدمة الأولى”

والمؤمن، عند أول تفجر للمشاعر، يستدفع الجزع بالاسترجاع، ليسكن قلبه.
ويفزع كما كان يفزع رسول الله ﷺ إلى مواطن الطمأنينة:
الصلاة، دعاء الكرب، دعاء يونس، الاستغفار..
وكل ذلك مما يقوي القلب، ويقلص وقع المصاب على النفس.

ثم ينظر إلى مصيبته، صغيرها وكبيرها، بميزان الآخرة، لا بميزان العاجلة، وقد قال أحد السلف:

“إذا نزلت بي مصيبة، حمدت الله أنها لم تكن في ديني، وأنها لم تكن أعظم مما هي عليه”

وهذا ما ينبغي أن نستحضره دائمًا، وأن نذكر به أنفسنا ومن حولنا.

والحمد لله على وعده الكريم، الذي أخبر به نبيه ﷺ:

“ما يصيب المسلم من نصب، ولا وصب، ولا هم، ولا حزن، ولا أذى، ولا غم، حتى الشوكة يشاكها،إلا كفر الله بها من خطاياه.”

 

فما من ألم إلا ويحمل في طياته رحمة خفية.

يد الإحسان

 

الإنسان أسير الإحسان، والنفوس الطيبة تحفظ لأهلها جميلهم. غير أن النفس البشرية أحيانا يحملها اعتياد  الإحسان على نكرانه، وقد قيل:

 

“إن شر ما في النفس البشرية هي أنها تعتاد الفضل من صاحب الفضل فلا تعود تراه فضلاً “

فمن الناس من يألف الإحسان المسدى إليه ويصبح في نظره محض استحقاق لا يرى فيه ما يقدر أو يشكر، والنبي ﷺ يقول: (لا يشكر الله من لا يشكر الناس)، ويقول أيضاً: (من صنع إليكم معروفاً فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه).

فالشكر والعرفان من حسن الخلق، ومن شيم النفوس السوية، غير أن ما يؤلم المحسن حقاً ليس اعتياد الناس على إحسانه، بل أن يقابل بالإساءة بعده.

فما الذي يدفع إنساناً للإساءة إلى من أحسن إليه؟!

يعزو ابن حزم هذا إلى طبيعة النفس، يقول:

 (إن ذوي التراكيب الخبيثة يبغضون لشدة الحسد كل من أحسن إليهم إذا رأوه في أعلى من أحوالهم).

هي علل داخلية تحكم الأخلاق والسلوك، ويزداد المرء تردّيا إن انعدم شعوره بعلته، وظن نفسه في عافية، أو  تجاهل وجودها عمداً .

وقد قيل:

المعروف إلى الكرام يعقب خيراً والمعروف إلى اللئام يعقب شراً، ومثل ذلك مثل المطر يشرب منه الصداف فيعقب لؤلؤاً وتشرب منه الأفاعي فتعقب سماً.

ولهذا لا ينبغي للمحسن أن يحصر عطاءه في أهل الفضل وحدهم، بل يبذل ويعطي ما وسعه دون أن يرتقب من الناس شيئاً، فالله هو الذي مكنه من مد يد الإحسان، وهو ذو الفضل العظيم.

فإذا تشرب قلبه هذا المعنى، استوى عنده الشكر والنكران، وصرف قصده لله خالصاً، وهذا ما يحفظ له سلامة الصدر وهناء البال.

وما أحوج المرء -محسناً أو متلقياً-  إلى تفحص دواخل نفسه عند الأخذ والعطاء، ليصلح ما لا يطلع عليه إلا الله.

كوب الشاي

أتأمل في مسيرة ذلك الرجل الطيب الذي ضجّت وسائل التواصل بخبر وفاته بالدعاء والذكر الحسن، ذلك الرجل الذي ظل يسقي زوار الحرم النبوي القهوة والشاي أربعين عامًا.

أربعون سنة وهو يكرم المصلين بيده، يعد القهوة بنفسه، ويقدمها للمصلين في كل يوم، ثم يستأنف من جديد.

إنه عمل جدير بالتأمل.
هكذا ظل على مدى سنين طويلة، ملازمًا لعمل قد يبدو بسيطًا في نظ الناس، والله وحده يعلم قدر مشقته وجهده.

في حياة هذا الرجل عبرة لكل من سخر الله له باب من أبواب الخير، أو فتح له سبيل نفع،
أن يعرف قدر الموضع الذي أقامه الله فيه، فما أكثر ما نبدأ، وما أقل ما نثبت.

فمن دلائل الصدق الثبات..
الثبات على العمل، والاستمرار عليه، وهذه المداومة التي لا يحتملها المزاج المتقلب، ولا يقوى عليها إلا قلب صادق؛
قلب تواطأت فيه النية مع الفعل، فاستقام له السير يومًا بعد يوم، بلا كلل ولا ملل.

ولا أظن أحداً يُعان على مثل هذا الثبات إلا بتوفيق من الله، ثم بصدق الطوية، ولا نزكي على الله أحدًا.

فالنية الصادقة لا تخضع للمزاج، بل تجرّ صاحبها جرًّا إلى ما عزم عليه، حتى يلقى ثمرة ذلك في يوم:
﴿يَوْمَ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾.

 

شرارة البدايات

كيف تصنع العاطفة أول خطوة؟

حين نُحبّ أمرًا بصدق، نُفرغ له من وقتنا ما لا نُفرغه لغيره، ونتعاهده على مرّ الأيام بلا تكلّف، ونمنحه حيّزًا واسعًا من الاهتمام والرعاية.
هكذا تستجيب النفس لما تمليه عليها عاطفتها، فتتحرك المشاعر الصادقة، وتستحث الفكر، وتُولّد الفكرة تلو الأخرى في سبيل تحقيق ما نحبّ.

فالعاطفة إذا اشتعلت، حرّكت الفكر، والفكر يحرّك السلوك.
ومن أراد أن ينهض إلى عملٍ نافع، ثم وجد في نفسه تثاقلًا، فليُشعل الشعور نحوه، فإن لحظة الانفعال قد ترسم اتّجاهًا جديدًا في حياته.
وليس ذلك بمجرّد تنظير، بل هو ما تشهد به البدايات:
كثير من الهدايات كانت شرارتها الأولى لحظةً، أو مشهدًا، أو موقفًا أيقظ القلب، وأوقد فيه جذوة الإيمان، فكان ما بعدها امتدادًا لتلك اللحظة، وأثرًا لتلك النار المباركة.

وقد قيل: “العاطفة جذوة في القلب، إذا ما أصابتها نفخة تأججت نارًا.”

وهذه الجذوة لا تُولد من فراغ، بل تُستثار عبر منافذ القلب: السمع والبصر.
حين يُلقي الإنسان سمعه للموعظة، ويرمي ببصره على أحوال الناس، ويتأمل ويصغي بتفكر، فإن هذا يترك في القلب أثرًا لا يُمحى، وقد يكون هو مفتاح التغير.

لكن على أهمية هذه الشرارة، ينبغي ألا نغفل عن طبيعتها:
فالعاطفة سريعة الاشتعال، لكنها أيضًا سريعة الانطفاء إن تُركت بلا ضابط.
إن لم تُحَط بسياجٍ من العلم، وضبط النفس، والرؤية الواضحة، فقد تجرّ صاحبها إلى سلوك يخالف المبادئ، أو تهوي به إلى قرارات عجولة لا تدوم.

لهذا، نحن بحاجة إلى وعي بحركة الشعور: كيف يُولد، كيف يُوجَّه، وكيف يُترجم إلى عمل راشد.
فما نرجو تحقيقه من سلوك نافع، أو ما نأمل أن نغرسه من عادة مستدامة، لا يُبنى على الوهج وحده، بل على علمٍ يثبّت، وبصيرةٍ تضيء الطريق، وقرارٍ واعٍ يحفظ الاتجاه.

فالعاطفة إذًا: بذرة البداية،
لكنها لا تُثمر حتى تُسقى بعلم، وتُثبت بعادة، وتُحاط بصبر.

 

Skip to content