قيمة المرء مايحسن
تلفت هذه المقولة نظر الإنسان إلى نفسه، وتدعوه أن يبحث فيها عن مواضع تميزه ليخط مكانه بين الناس ويكون فاعلاً ذا قيمة له دوره وأثره في الحياة، فيسائل نفسه: ما الذي أُحسنه؟ وأين تكمن قيمتي؟ لكن عليه أن يطرح على نفسه سؤالاً أعمق: لماذا أُحسن؟ وما الغاية التي لأجلها أريد أن تكون لي قيمة؟
فالإنسان أحيانًا يفرط في التشبث بما يحسنه، فينحو إلى حب التفرد فيه، وينافس بهذا كل من يُحسن ما يحسنه. ولا ضير في التنافس إن كان باعثًا على التحسين والتجويد، لكن الخطر أن يدفعه ذلك إلى التشويه والإضرار بالآخر، حتى يتحول التنافس شيئًا فشيئًا إلى ما هو أسوأ، حين يجد الإنسان في نفسه غضاضة أن يبرع غيره فيما يجيده هو، ويرى نفسه أولى وأحق، فيجعل من استحقاقه الذي نسجه في عقله ذريعة لتشويه غيره والتقليل مما وصل إليه.
فهو لا يزال خائفًا من انتزاع مكانته، ساعيًا لحراسة ما وصل إليه، فيصبح هذا الذي يُحسنه من حيث أراده قيمة لذاته، شاغلًا له عن نفسه، يصرفه إلى تقصي أخبار المنافس وتحولاته وإنجازاته.
وهو على كل حال مهما بلغ سيجد من يفوقه ويمتاز عنه، وسيلقى في طريقه ما يكدره وينغص عليه، ثم يخرج من هذا كله بـ: فعلت ليُقال، وقد قيل.
أما من جعل ما يحسنه لله واستقى قيمته مما يرضيه، فقد تحرر من هذه المعارك كلها، لأنه يؤمن أن تلك الملكة أو المهارة أو العلم إنما هي أرزاق قسمها الله بحكمته بين الناس، فيحمله قلبه السليم وسلامة صدره على مد جذور الخير بينه وبين الناس، فيحب لأخيه ما يحب لنفسه، ويسعى بما مكّنه الله منه في النفع والخير.
وتلك هي القيمة الحقيقية التي لا تضاهيها منزلة من منازل الدنيا، فالقيمة ليست فيما نحسن، إنما في الغاية التي لأجلها نحسن.
