أتعرف قيمتك؟

قيمة المرء مايحسن

كثيرًا ما تتردد هذه العبارة، وهي توجه نظر الإنسان للبحث عما يتقنه ويجيده ليجعل منه ذا قيمة له دوره وأثره في الحياة، وهي في الوقت نفسه تضعه أمام سؤال:

ما الذي أُحسنه؟ وأين أجد قيمتي؟

غير أن النفس أحيانا تفرط في التشبث بما تحسنه فتنحو إلى حب التفرد فيه، وتنافس بهذا كل من يُحسن ما تُحسنه . ولا ضير في التنافس إن كان باعثا على التحسين والتجويد، لكن الخطر أن يدفعها إلى التشويه والإضرار بالآخر، فيصبح هذا الذي يحسنه من حيث أراده قيمة لنفسه شاغلًا عنها يصرفه إلى تقصّي ما عند الطرف الآخر.

بل قد يتجاوز ذلك إلى ما هو أسوأ، فيتمنى لمن ينافسه الشر أو زوال ما عنده، وهذه إحدى مثيرات الحسد أن يجد الإنسان في نفسه غضاضة في أن يبرع غيره فيما يجيده هو، فيرى نفسه أولى به، ويجعل من استحقاقه للتميز ذريعة لتشويه غيره والتقليل مما وصل إليه.

وتشبّث المرء بما يُحسنه قد يودي به إلى مزالق وخيمة، فهو لا يزال خائفا من انتزاع مكانته، ساعيا بكل ما أوتى لحراسة ما وصل إليه ولو كان في ذلك إقصاء غيره، فكيف للإنسان أن يؤذي ويحسد بسبب نعمة حباه الله بها كما حبا غيره؟

تلك الملكة أو المهارة أو العلم كلها أرزاق قسمها الله سبحانه بين الناس بحكمته، ومن يرى قيمته فيما يُحسن عليه أن يصدق مع نفسه في الجواب:

لماذا أحسن؟ وما غايتي من أن تكون لي قيمة؟

إن كانت للناس فقد باء بخسارة، فالمرء مهما بلغ سيجد من يفوقه ويمتاز عليه، وسيلقى في طريقه ما ينغّصه ويكدرصفوه، ثم يخرج من هذا كله  بـ”فعلت ليقال.. وقد قيل”.

وإن كانت لله فإن القلب السليم هو ما يبلغ الغاية، فتمني الخير وحب المسلم لأخيه ما يحب لنفسه، وسعيه في نفعهم بما مكّنه الله منه يبلغه منازل رفيعة عند ربه.

وتلك هي القيمة الحقيقية التي لا تضاهيها منزلة من منازل الدنيا. فالقيمة إذن ليست فيما نُحسنه، إنما في الغاية التي لأجلها نحسن.

 

 

عبء ما قبل البدء

 

في بعض الأيام، تشعر بالإرهاق قبل أن تشرع في أي شيء، وكأن مجرد التفكير في ما ينبغي فعله يستنزفك أكثر من الفعل نفسه.

تتثاقل لا لأن المهام عسيرة، بل لأنك استهلكت طاقتك في تصوّرها، واستباق مشقّتها، وتخيل عثراتها قبل أن تقع.

كثير من الأعمال لا تُرهقنا حين نؤديها، بل حين نُطيل التفكير في كيفيتها: نُفكّر في تفاصيلها، وفي الوقت الذي ستأخذه، وفي العقبات التي قد تصادفنا، فتغدو ثقيلة في الخيال، مع أنها يسيرة في الواقع.

وقد يُرهق الإنسان من التخطيط الذهني أكثر مما يُرهقه الإنجاز نفسه، لأن العقل حين يُشغل بالاحتمالات والمآلات والسيناريوهات، يستهلك طاقته قبل أن يخطو خطوة واحدة.

وهكذا… لا يكون التعب من العمل، بل من الدوران حوله، ومن شدّ الحبال الخفية بين الحماسة والتردد.

بينما الحقيقة أن كثيرًا من الأعمال، لو أُعطيت وقتها بهدوء، ومضينا فيها دون هذا العبء الذهني، لتمّت بسلاسة، وربما بسرور.

فالمشكلة في الغالب ليست في حجم العمل، بل في التردّد حوله، في أننا نُطيل الوقوف على العتبة، ونستهلك أنفسنا قبل دخول الباب.

ولهذا، فالخطوة الحقيقية ليست في الإنجاز فقط، بل في كسر طوق التردد، وتحرير العمل من أسره الذهني.

وما أكثر ما يُنجز حين نكفّ عن التفكير المفرط… ونبدأ.

اقرأ مقال العودة الهادئة

 

حين تتمدد الآلام

كل ألم، وإن بدا أول الأمر جارفا لا يُحتمل، فإن الأيام تبدي لنا أن التعايش معه ممكن، بل وقد يألفه القلب حتى لا يعود يستنكره كما في البدايات.

فحين يُبتلى المرء بمصاب، يبلغ الألم النفسي ذروته في البداية، ثم يتقلص مع مرور الوقت، وربما يتلاشى.

وما يحدد مدى شدته واستمراره، ليس حجم المصيبة، إنما طريقة استقبالها.

إن اللحظة الأولى لاستقبال البلاء، هي الموضع الذي تُكسر فيه شوكة الألم، أو تقوى حدته، فمن أُعين فيها على الصبر، خف المصاب عليه، وكان ما بعده أهون.

ولهذا جاء في الحديث الشريف، قول النبي ﷺ:

“إنما الصبر عند الصدمة الأولى”

والمؤمن، عند أول تفجر للمشاعر، يستدفع الجزع بالاسترجاع، ليسكن قلبه.
ويفزع كما كان يفزع رسول الله ﷺ إلى مواطن الطمأنينة:
الصلاة، دعاء الكرب، دعاء يونس، الاستغفار..
وكل ذلك مما يقوي القلب، ويقلص وقع المصاب على النفس.

ثم ينظر إلى مصيبته، صغيرها وكبيرها، بميزان الآخرة، لا بميزان العاجلة، وقد قال أحد السلف:

“إذا نزلت بي مصيبة، حمدت الله أنها لم تكن في ديني، وأنها لم تكن أعظم مما هي عليه”

وهذا ما ينبغي أن نستحضره دائمًا، وأن نذكر به أنفسنا ومن حولنا.

والحمد لله على وعده الكريم، الذي أخبر به نبيه ﷺ:

“ما يصيب المسلم من نصب، ولا وصب، ولا هم، ولا حزن، ولا أذى، ولا غم، حتى الشوكة يشاكها،إلا كفر الله بها من خطاياه.”

 

فما من ألم إلا ويحمل في طياته رحمة خفية.

كوب الشاي

منذ أربعين سنة، وهو يمد يده بالقهوة والشاي لزوار الحرم النبوي، يصبها بنفسه، يبتسم، يُنصت، ثم يودع… ويبدأ من جديد.

أتأمل في حياة هذا الرجل الطيب، الذي ضجت لخبر وفاته وسائل التواصل بالدعاء والذكر الحسن، حياة جديرة بالتأمل..

آلاف من الوجوه عرفته، مروا به، تفيؤوا ظلال كرمه،ثم مضوا وهو باق كما هو، كأنما نذر عمره لهذا العمل.

وهكذا كان على مدى سنوات ملازماً لعمل بسيط فيما يبدو لنا، والله وحده يعلم قدر مشقته.

أتأمل هذا الثبات، وهذه الديمومة التي لا يطيقها المزاج المتقلب، ولا يقدر عليها إلا قلب صادق.

قلب تواطأ فيه الفعل مع النية، فاستقامت له الخطى كل يوم، لا تكل ولا تمل، ولا أظنه – هو أو غيره – يُعان على مثل هذا إلا بتوفيق الله، ثم صدق الطوية، ولا نزكي على الله أحدًا.

كثير من يبدأ، وقليل من يثبت..

 

النية الصادقة لا تخضع للمزاج، بل تجر الجسد جراً، ليستوفي ما عزم عليه، حتى ينعم بعدها في..

“يوم ينفع الصادقين صدقهم”.

Skip to content